في وقت تعيش فيه القارة الأوروبية على وقع هزات اقتصادية عنيفة وأزمة طاقة غير مسبوقة، تُواصل الدبلوماسية الفرنسية تخبّطها المعتاد بين الحسابات الضيقة والمزايدات الحزبية العابرة. فبينما شدّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرحال نحو منطقة الخليج باحثاً عن قطرة نفط أو برميل غاز يسدّ رمق محطات الطاقة الفرنسية، كان بإمكانه بكل بساطة أن يمدّ يده إلى جارٍ إفريقي ومتوسطي يمتلك احتياطات هائلة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً لا يفصله عنه سوى وميض بصر. لكن "الواقعية السياسية" سقطت هنا ضحية لحسابات "المراهقة الدبلوماسية". هروب نحو الأفق... وتجاهل للجوار المباشر إن السفر إلى مسافات بعيدة لتأمين إمدادات الطاقة، بينما تملك الجزائر – الجار الأقرب والشريك التاريخي – مفاتيح الحل الطاقوي في شمال إفريقيا، يعكس بجلاء حجم الأزمة التكتيكية التي يعاني منها قصر الإليزيه. لقد أدار ماكرون ظهره عمداً لقارة إفريقيا وللجزائر تحديداً، منصاعاً لضغوطات فصائل سياسية ضيقة الأفق، ومهزوماً أمام ضجيج اليمين المتطرف الذي يتخذ من العداء المجاني مطيّة لحصد الأصوات. هذا الهروب الأمام لا يعبر عن قوة، بل يترجم عجماً سياسياً واضحاً يفتقر إلى أبجديات البصيرة الاستراتيجية. ألم يدرك الرئيس الفرنسي أن أمن فرنسا القومي والاقتصادي يجب أن يُبنى على الشراكات المستدامة القريبة، لا على عقود محفوفة بالمخاطر والتقلبات الجيوسياسية البعيدة؟ دروس إسبانيا وإيطاليا: من أين تؤكل الكتف؟ في المقابل، أثبتت دول أوروبية وازنة مثل إسبانيا وإيطاليا أن الذكاء السياسي يكمن في تغليب المصالح العليا للأوطان على الشعبويات العابرة. فقد عرفت روما ومدريد كيف تؤكل الكتف؛ إذ تعاملت هاتان العاصمتان بمنطق الدولة البراغماتي، فنسجتا شراكات طاقوية متينة ومستقرة مع ضفتهما الجنوبية، محققتين أمنهما الطاقوي بكل هدوء وفعالية بعيداً عن صخب الخطابات الشعبوية. أما باريس، فتحت إمرة ماكرون، ففضلت الرهان على رصيد سياسي متآكل، خاضعة لابتزاز تيارات لا تهتم سوى بالشو الإعلامي واسترضاء الغوغاء، على حساب الخبز اليومي للمواطن الفرنسي ومقدرات صناعته الوطنية. التقييم: لعب ذراري أم عجز استراتيجي؟ إن ما يقدم عليه ماكرون اليوم لا يعدو أن يكون "لعب ذراري" سياسي، حيث تُضحّى بالمصالح العليا للبلاد أرضيةً للمزايدات الحزبية والهروب من استحقاق الشجاعة الدبلوماسية. إن بناء مستقبل فرنسا الاقتصادي لا يُدار بعقلية الهروب نحو الخليج ولا بالاستسلام لضغوط الصعاليك الفكريين والسياسيين في الداخل. فإلى متى ستظل الدبلوماسية الفرنسية رهينةً لرعونة المراهقين السياسيين، تترك الكنوز عند عتبات دارها لتتلمسها باحثةً عنها في السراب؟