لماذا لا يزال الفكر يخاف من الفكرة، ولماذا يُترك المتطرفون أوصياء على أسئلة العقل في الجزائر؟ ثمة لحظات في حياة المثقف يشعر فيها بأن الكلمات تعجز عن حمل ثقل الخيبة وأن الألم يصبح أكبر من أن تختصره عبارات الأسف والاعتذار... وثمة مواقف يكتشف فيها المرء أن المعركة من أجل حرية الفكر لا تزال طويلة.. وأن بعض الأسئلة التي يفترض أن تكون طبيعية في المجتمعات التي تحترم العقل لا تزال في مجتمعاتنا محاطة بأسوار الخوف والريبة والتحريم.... أكتب هذه الكلمات بمرارة شديدة ليس لأن حلقة تلفزيونية لن تُبث فحسب.. وإنما لأن ما حدث أعاد إلى ذهني سؤالاً مؤلماً طالما تهرّبنا من مواجهته: أي مستقبل نريده للفكر في الجزائر إذا كانت استضافة مفكر لمناقشة قضايا الوحي والنبوة والنص في الإسلام يمكن أن تتحول إلى مصدر قلق بدل أن تكون مناسبة للاحتفاء بالحوار والمعرفة؟ لقد سجلت حلقة من برنامج "مدار الفكر" مع المفكر والباحث السوري الكبير #فراس_السواح تحت عنوان "الوحي والنبوة والنص في الإسلام" كنت أطمح إلى أن تكون هذه الحلقة مساحة حقيقية لممارسة التفكير الحر وفتح نافذة أمام الجمهور الجزائري للاطلاع على أطروحات فكرية وبحثية تتناول واحدة من أكثر القضايا حساسية في تاريخ الفكر الديني.... كنت أريد أن نضع الأسئلة على الطاولة وأن نمنح المشاهد فرصة الاستماع والتحليل والمقارنة... وأن نؤكد أن المعرفة لا تنمو في البيئات التي تخشى الأسئلة بل في البيئات التي تسمح لها بأن تُطرح وتُناقش وتُنتقد...لكن الحلقة للأسف لن ترى النور....وإنني وأنا أبلغ جمهور " مدار الفكر" بهذا الخبر المؤسف لا أشعر بالحزن على مادة إعلامية ضاعت فحسب... بل أشعر بألم أعمق يتعلق بمكانة الفكر في الفضاء العام الجزائري وبحدود الحرية التي يمكن أن يتحرك داخلها المثقف.... وبقدرتنا على بناء إعلام ثقافي يجرؤ على الاقتراب من القضايا الكبرى دون أن يظل أسير هواجس ردود الفعل المحتملة... 🔷 فراس السواح... حين تصبح استضافة المفكر مخاطرة إن فراس السواح ليس اسماً عابراً في المشهد الفكري العربي..... بل هو باحث ومفكر عُرف باشتغاله على تاريخ الأديان والأساطير والمعتقدات والرموز الدينية...وبمحاولاته قراءة الظاهرة الدينية قراءة تاريخية وأنثروبولوجية وفكرية والاتفاق مع أطروحاته ليس شرطاً للاستماع إليه... كما أن الاختلاف معه لا ينبغي أن يكون مبرراً لمنعه من الكلام... فالمفكر لا يُستضاف لكي نمنحه صكاً بالحقيقة المطلقة ولا لكي نفرض على الجمهور تبني أفكاره..... وإنما لكي نضع المعرفة أمام المعرفة.. والحجة أمام الحجة... والتأويل أمام التأويل...فما قيمة الجامعة إن لم تسمح بمناقشة الأفكار المختلفة؟ وما قيمة الإعلام الثقافي إن كان لا يستضيف إلا من يكررون ما اعتاد الجمهور سماعه ؟ وما معنى أن نتحدث عن تجديد الفكر الديني إذا كنا نتراجع أمام أول احتمال للاعتراض على نقاش جاد في قضايا الدين؟ إن الحلقة التي سجلتها مع فراس السواح لم تكن دعوة إلى إلغاء الدين.... ولا محاولة لاستفزاز المؤمنين ولا مشروعاً لمصادرة معتقدات الناس...وأنما كانت في جوهرها محاولة لفتح نقاش معرفي حول الوحي والنبوة والنص الإسلامي.. وهي موضوعات شغلت الفلاسفة وعلماء الكلام والمؤرخين والباحثين ولا تزال تستحق البحث والنقاش.. إن الإيمان الذي يثق بنفسه لا يخشى السؤال والحقيقة التي تمتلك حججها لا تحتاج إلى حراسة الغاضبين... والفكرة التي لا تستطيع الصمود أمام النقد لا تتحول إلى حقيقة بمجرد منع الآخرين من مناقشتها.. 🔷من يملك حق تأويل الدين في الجزائر ؟ إن المعضلة الحقيقية التي تكشفها هذه الواقعة تتجاوز مصير حلقة تلفزيونية... إنها تتصل بمشكلة أعمق في المجال الثقافي والديني... تتمثل في نزوع بعض التيارات المتشددة إلى احتكار حق تفسير الدين....والتعامل مع تأويلاتها الخاصة كما لو كانت المعنى الوحيد الممكن الذي لا يجوز الاقتراب منه أو مساءلته.....وهنا ينبغي أن نطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لمجتمع أن يتقدم فكرياً فيما يُترك المجال العام رهينة للخوف من كل قراءة مختلفة للنص الديني؟ إن النصوص الدينية مثل سائر النصوص الكبرى في تاريخ الإنسانية كانت موضوعاً لاختلافات واسعة في التفسير والتأويل ولدت داخلها مدارس فكرية وفلسفية وكلامية متعددة...... وقد عرف التراث الإسلامي نفسه سجالات عميقة بين المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والفقهاء والمتصوفة ولم يكن تاريخ الفكر الإسلامي تاريخ إجماع دائم..... بل كان أيضاً تاريخ خلافات واجتهادات ومواجهات فكرية....ولم يكن الاختلاف في ذاته دليلاً على الانحراف... كما لم يكن السؤال الفلسفي مرادفاً للكفر ولم يكن البحث في تاريخ الأفكار الدينية إعلاناً للحرب على الدين... لكننا نجد أنفسنا اليوم في بعض المساحات من المجال العام أمام مفارقة موجعة: يُطلب من المثقف أن يجدد الخطاب ثم يُخشى من نتائج التجديد...ويُدعى الإعلام إلى رفع مستوى النقاش.. ثم يُترك تحت ضغط أصوات قد تخلط بين النقد والإساءة... وبين البحث العلمي والطعن في العقائد.. وبين الاختلاف الفكري والعداء للدين.. إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع ليس أن يسمع فكرة مختلفة... بل أن يفقد القدرة على التمييز بين الفكرة التي تستحق الرد بالحجة... والفعل الذي يستوجب المساءلة القانونية فالنقد لا يُواجه بالتكفير...والبحث لا يُواجه بالتحريض والخلاف لا يُحل بإسكات صاحبه... ولا أقول هذا دفاعاً عن رأي بعينه....بل دفاعاً عن حق الجزائريين جميعاً في أن يطلعوا على الأفكار وأن يناقشوها وأن يقبلوها أو يرفضوها بحرية ومسؤولية... 🔷 ذاكرة العشرية السوداء... هل تعلمنا الدرس؟ إن الحديث عن التطرف في الجزائر لا يمكن أن يكون حديثاً نظرياً معزولاً عن الذاكرة الوطنية... لقد عاش الجزائريون خلال العشرية السوداء سنوات دامية دفعوا فيها أثماناً بشرية ونفسية واجتماعية هائلة...ولا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة في الذاكرة الجماعية وفي حياة كثير من الأسر...ولذلك فإن أي نقاش حول التطرف الديني ينبغي أن ينطلق من مسؤولية تاريخية وأخلاقية: كيف نحمي مجتمعنا من إعادة إنتاج ثقافة الإقصاء!!؟ وكيف نحصّن الأجيال الجديدة من الفكر الذي يحوّل الاختلاف إلى عداوة ويجعل من احتكار الحقيقة مبرراً لإلغاء الآخر! إنني لا أحمّل كل متدين مسؤولية التطرف.... ولا أخلط بين التدين السلمي والتعصب ولا أختزل المأساة الجزائرية في سبب واحد أو جماعة واحدة... فالتاريخ أعقد من الأحكام السريعة والتطرف ظاهرة تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية وفكرية وأمنية... لكن من الخطأ أيضاً أن نتعامل مع التطرف بوصفه شأناً أمنياً صرفاً ثم نهمل الشروط الفكرية والثقافية التي تساعد على انتشاره... فالمواجهة الأمنية مهما كانت ضرورية في مواضعها لا تكفي وحدها لبناء مناعة فكرية مستدامة... إن محاربة التطرف تبدأ أيضاً من المدرسة والجامعة والمسرح والكتاب والصحافة والفضائيات......تبدأ حين يتعلم الطفل أن الاختلاف ليس تهديداً.. وحين يدرك الطالب أن السؤال ليس جريمة وعندما يشاهد المواطن نقاشاً تلفزيونياً تتواجه فيه الآراء بالحجج لا بالشتائم والتخوين والتكفير... لا يمكن أن نحارب التطرف بعقلية تخشى التفكير ولا أن نبني مجتمعاً منفتحاً إذا تركنا الخوف من المتعصبين يحدد حدود المعرفة المسموح بها... 🔷 رسالة إلى صناع القرار: تجديد الخطاب الديني ضرورة وطنية إلى صناع القرار في الجزائر وإلى المسؤولين عن قطاعات الثقافة والاتصال والشؤون الدينية والتعليم العالي والتربية أوجه هذه الرسالة بكل ما تحمله من أسى...ولكن أيضاً بكل ما تحمله من أمل في أن يصبح الإصلاح الفكري مشروعاً وطنياً واضحاً لا مجرد شعار يتكرر في المناسبات..... إن الجزائر التي قدمت تضحيات هائلة من أجل استقلالها وسيادتها لا ينبغي أن تتعامل مع حرية التفكير كما لو أنها امتياز قابل للسحب كلما ارتفعت أصوات الاحتجاج.... فالسيادة لا تُصان بالقوة السياسية والأمنية وحدهما وإنما تُصان أيضاً ببناء مواطن حر يمتلك أدوات التفكير النقدي ويعرف كيف يميز بين الحجة والدعاية وبين الإيمان والتعصب وبين الاختلاف والتحريض.. إن تبني خطاب ديني حداثي ليس ترفاً ثقافياً ولا استيراداً أعمى لتجارب الآخرين ولا تنازلاً عن الهوية الوطنية... إنه ضرورة فكرية واجتماعية لمواجهة القراءات المنغلقة التي تسعى إلى تحويل الدين إلى أداة لإقصاء المختلفين ومصادرة الأسئلة....والخطاب الديني الحداثي الذي أدعو إليه ليس خطاباً يسعى إلى فرض الإلحاد ولا إلى السخرية من المعتقدات.... ولا إلى قطع الصلة بالتراث..... إنه خطاب يفتح باب الاجتهاد ويستفيد من مناهج البحث التاريخي واللساني والفلسفي ويعيد وصل المعرفة الدينية بأسئلة الإنسان المعاصر... ويقبل التعدد في التأويل ويميز بين الثابت الذي يعتقد فيه المؤمن والتاريخي الذي يمكن للباحث أن يدرسه والاجتماعي الذي يخضع للنقد والتغيير... إن تجديد الخطاب الديني لا يتحقق بالبيانات الرسمية وحدها ولا بتغيير المصطلحات مع الإبقاء على العقلية نفسها... إنه يحتاج إلى مؤسسات تعليمية تشجع التفكير النقدي وجامعات تحمي البحث العلمي... وإعلام ثقافي يمتلك استقلالية مهنية... ومؤسسات دينية قادرة على الحوار مع الفلسفة والعلوم الإنسانية...بدلاً من الانكفاء أمام الأسئلة الجديدة....والأهم من ذلك كله أن تتحمل الدولة مسؤوليتها في ضمان حرية التعبير... وحماية المؤسسات الإعلامية من التهديد والتحريض غير المشروع وتوفير مناخ يسمح بمناقشة الأفكار من دون أن يتحول كل خلاف إلى أزمة تهدد وجود المؤسسة التي تستضيفه... فإذا كان مجرد احتمال اعتراض جماعة متشددة كافياً لإلغاء نقاش فكري فإننا نكون قد منحنا هذه الجماعة سلطة لا تستمدها من القانون ولا من المؤسسات وإنما من قدرتها المفترضة على التخويف....وهذا بصراحة أمر بالغ الخطورة لأن الرسالة التي تصل إلى المثقف والصحفي والباحث ستكون واضحة: لا تقتربوا من الأسئلة الحساسة ولا تستضيفوا أصحاب القراءات المختلفة... ولا تخاطروا بفتح ملفات قد تثير غضب المتشددين....وهكذا يتراجع المجال العام خطوة بعد أخرى... لا لأن المجتمع كله رفض المعرفة بل لأن الخوف يصبح أقوى من الرغبة في المعرفة.... 🔷 لماذا لا تكون الفضائيات الجزائرية فضاءً للفلسفة؟ من حق الجمهور الجزائري أن يشاهد برامج فلسفية وفكرية جادة تتناول تاريخ الأديان والفلسفة الإسلامية وعلم الكلام ونقد التراث.. وتجديد الخطاب الديني... وعلاقة الدين بالدولة وقضايا الحرية والعقلانية والحداثة... ومن حقه أيضاً أن يستمع إلى مفكرين من مدارس واتجاهات مختلفة وأن يطلع على الآراء المتعارضة...وأن يتعلم كيف يناقشها دون أن يشعر بأن مجرد الاستماع إليها يمثل تهديداً لهويته أو عقيدته.... لقد أصبحت البرامج الثقافية في عصرنا إحدى المساحات الأساسية لنشر المعرفة وتوسيع أفق النقاش العام.....ولا ينبغي أن تبقى الفضائيات الجزائرية محكومة بمنطق المحتوى الآمن الذي لا يثير أي سؤال.....ولا يختبر أي فكرة ولا يضع أي تصور موروث أمام محك النقد... ولست أدعو إلى تحويل الشاشات إلى منصات للاستفزاز المجاني... أو إلى تقديم الأفكار بلا سياق علمي... أو إلى إعفاء الضيوف من النقد والمساءلة... إنني أدعو إلى إعلام يحترم ذكاء المشاهد ويقدم له المادة الفكرية في سياقها ويتيح الاعتراض عليها ويمنح الرأي المخالف حقه في التعبير...وإذا كانت هناك مخاوف حقيقية من ردود الفعل.. فإن الحل لا يكون بالانسحاب التلقائي من النقاش وانما بإدارة الحوار بمهنية وتوضيح طبيعته البحثية...وإتاحة المجال للردود العلمية المتوازنة والتصدي لأي تحريض أو تهديد وفق القانون.... إن الجمهور الجزائري ليس كتلة واحدة ولا يمكن اختزال وعيه في أكثر الأصوات صخباً... ففي الجزائر أساتذة جامعات وباحثون وطلبة وقراء ومثقفون ومواطنون يتطلعون إلى إعلام يحترم عقولهم... ويمنحهم فرصة التفكير في القضايا التي تشغل الإنسان العربي والمسلم المعاصر... وإذا كانت تجارب بلدان عربية مختلفة قد شهدت بدرجات متفاوتة برامج تناقش الفلسفة والفكر الديني وقضايا التجديد فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في الجزائر ليس: كيف نتجنب إثارة الجدل؟ بل: كيف ندير الجدل إدارة معرفية مسؤولة تحمي المجتمع من التحريض ولا تحرمه من المعرفة.... إننا لا نحتاج إلى استنساخ تجارب الآخرين بل إلى بناء تجربتنا الوطنية الخاصة......تجربة تنطلق من تاريخ الجزائر وتنوعها الاجتماعي ورصيدها الثقافي وتؤمن بأن حماية الهوية لا تعني تجميد العقل... وأن احترام الدين لا يقتضي إغلاق أبواب البحث... 🔷 " مدار الفكر" ... اعتذار إلى الجمهور ووفاء للفكرة إلى جمهور "مدار الفكر أقول بصدق إنني أشعر بالأسف لأن الحلقة التي سجلتها مع المفكر فراس السواح لن تُبث ولأن الجهد الذي بذلناه في إعدادها وتسجيلها لن يصل إلى المشاهدين كما كنا نأمل...لقد كنت أريد لهذه الحلقة أن تكون إضافة إلى المشهد الثقافي الجزائري.. وأن تفتح أمام الجمهور باباً للنقاش في قضايا كبرى......وأن تثبت أن التلفزيون قادر على تقديم محتوى يتجاوز الاستهلاك السريع والمألوف نحو الأسئلة التي تصنع الوعي وتدفع العقل إلى العمل....لكنني أريد أيضاً أن أوضح أن هذا الأسف لا يتعلق بالحوار وحده بل بالظروف التي تجعل بعض الحوارات الفكرية تبدو وكأنها مخاطرة غير محسوبة... وأنا إذ أتفهم مسؤولية القناة في حماية استمراريتها ومصالح العاملين فيها لا أرى أن تحميلها وحدها مسؤولية هذا الواقع أمر منصف.......فالمؤسسات الإعلامية تعمل داخل بيئة سياسية وثقافية واجتماعية أوسع وتحتاج إلى ضمانات حقيقية حتى تستطيع أداء دورها دون أن تظل مهددة كلما اقتربت من قضية خلافية.... إنني لا أريد أن تتحول هذه الكلمات إلى حملة ضد أشخاص... ولا إلى دعوة لشيطنة فئة من المجتمع... ما أرفضه هو أن يتحول التعصب أياً كان مصدره إلى معيار يحدد ما يجوز للمجتمع أن يعرفه وما ينبغي على المثقف أن يصمت عنه.... فالرد على فراس السواح أو على أي مفكر آخر حق مشروع لمن يختلف معه... ويمكن لمن يرفض أطروحاته أن يكتب ويناقش ويقدم حججه بل يمكنه أن يشارك في حوار تلفزيوني مضاد.... أما تحويل الاختلاف إلى ضغط يرهب المؤسسات أو يهدد استمراريتها فذلك أمر آخر تماماً... إن قوة المجتمع لا تُقاس بقدرته على إسكات المختلفين....بل بقدرته على استيعاب الاختلاف وإدارته دون خوف أو عنف. وأعتذر إلى كل مشاهد كان ينتظر هذه الحلقة...وإلى كل من رأى في " مدار الفكر" نافذة أمل نحو إعلام ثقافي أكثر جرأة وعمقاً... وأؤكد أن اعتذاري ليس تراجعاً عن حق السؤال... ولا إقراراً بأن البحث في الوحي والنبوة والنص الإسلامي أمر ينبغي تجنبه...بل هو تعبير عن أسف عميق لأن مادة معرفية كان يمكن أن تفتح نقاشاً مسؤولاً لن تصل إلى جمهورها. الجزائر أكبر من أن تخاف من سؤال... في نهاية المطاف ليست القضية قضية فراس السواح وحده ولا قضية حلقة تلفزيونية واحدة....ولا حتى قضية برنامج " مدار الفكر" القضية هي صورة الجزائر التي نريد أن نبنيها للأجيال القادمة... هل نريد جزائر تتعامل مع الفكر باعتباره خطراً ينبغي احتواؤه.. أم وطناً يرى في المعرفة مصدر قوة؟ هل نريد إعلاماً يكتفي بتكرار المألوف أم إعلاماً يساهم في تكوين مواطن قادر على النقد والتمييز والحوار ؟ هل نريد خطاباً دينياً ينفتح على أسئلة العصر... أم نترك المجال العام رهينة صراعات التأويل والتخويف المتبادل!! إن الجزائر لا تحتاج إلى التضحية بحرية الفكر من أجل إرضاء المتعصبين كما لا تحتاج إلى استفزاز المتدينين من أجل إثبات حداثتها... إنها تحتاج إلى مشروع وطني يوفق بين احترام المعتقدات وحماية الحريات...وبين صيانة السلم الاجتماعي وتوسيع مجال البحث وبين الوفاء للهوية والانفتاح على منجزات العقل الإنساني.... إلى صناع القرار أقول: إن تجديد الخطاب الديني ليس تهديداً لاستقرار الجزائر بل يمكن أن يكون أحد شروط استقرارها الفكري والاجتماعي على المدى البعيد......وإن حماية حرية البحث والتعبير ليست تنازلاً عن الثوابت الوطنية بل تعبير عن الثقة في المجتمع وقدرته على مواجهة الأفكار بالحجة. وإلى المسؤولين عن الإعلام والثقافة أقول: لا تتركوا البرامج الفكرية وحدها في مواجهة الخوف....امنحوها الضمانات المهنية والمؤسسية التي تجعلها قادرة على أداء رسالتها وشجعوا الحوارات الجادة... وافتحوا الشاشات أمام الفلاسفة والباحثين والمؤرخين وعلماء الأديان...مع الالتزام بالمعايير العلمية والقانونية والأخلاقية... وإلى الذين يختلفون مع فراس السواح أو مع غيره من المفكرين أقول: إن حقكم في الاعتراض لا يقل عن حق غيركم في السؤال..... لكن الاختلاف لا يمنح أحداً حق احتكار الحقيقة أو فرض الصمت على الآخرين... أما أنا #كريم_جدي فسأظل مؤمناً بأن وظيفة المثقف ليست أن يريح المجتمع من أسئلته بل أن يساعده على مواجهتها... وأن وظيفة الإعلام الثقافي ليست أن يحمي الأفكار من النقد.... بل أن يمنحها فرصة الظهور والاختبار والمناقشة. إن حلقة قد لا تُبث لكن السؤال الذي أثارته لا ينبغي أن يُدفن معها...فحين يخاف المجتمع من الفكرة لا تكون المشكلة في الفكرة وحدها بل في المناخ الذي يجعل التفكير نفسه موضع خوف....وحين يصبح الصمت هو الثمن الذي تدفعه المؤسسات كي تستمر... فإن واجبنا جميعاً أن نسأل: أي استقرار هذا الذي لا يطمئن إلا حين يتراجع العقل؟ أكتب هذه الكلمات بحزن... ولكنني أكتبها أيضاً وفاءً لرسالة " مدار الفكر" وإيماناً بأن الجزائر تستحق فضاءً ثقافياً أرحب.. وأن شعبها يستحق أن يستمع ويفكر ويناقش ويختلف... وأن حرية العقل ليست ترفاً نؤجله إلى زمن آخر... بل ضرورة لا غنى عنها لبناء المستقبل... معذرة جمهور " مدار الفكر" لأن حلقة كان يفترض أن تفتح باباً للنقاش. انتهت إلى صمت مؤلم.... لكننا لا ينبغي أن نسمح لهذا الصمت بأن يصبح قدراً دائماً للثقافة الجزائرية...... كريم جدي/ حيدرة/ 2026/10/19