Journan — Accueil

سقوط في فخ الحسابات الضيقة: كيف ورّط ماكرون فرنسا بعدائه للجزائر

في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية وتتلاعب بأزمات الطاقة بأمن القارة الأوروبية، يبرز بوضوح تكلفة غياب الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. وحين يتخلى القائد عن براغماتية رجل الدولة لصالح الارتجال السياسي، تنعكس التداعيات مباشرة على استقرار بلاده الداخلي ومكانتها الدولية. وهذا تماماً ما يجسده الموقف الفرنسي الراهن، حيث وجد قصر الإليزيه نفسه رهينةً لسياسات ارتدت عليه وبالاً، محاصراً بين غليان الشارع واضطرابات الداخل من جهة، وتحديات الطاقة وانكشاف الخيارات الخارجية من جهة أخرى. ​لغز العداء المجاني: حين تغيب البراغماتية السياسية ​لقد أثبت التاريخ الدبلوماسي أن الدول الكبرى تُبنى علاقاتها على المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة لا على الأيديولوجيات الظرفية. وكان بإمكان فرنسا، بحكم الروابط التاريخية والجغرافية، أن تجعل من الجزائر شريكاً استراتيجياً حقيقياً ومفتاحاً رئيسياً لحل العديد من الإشكاليات الإقليمية والدولية. ​إلا أن الاختيار غير الموفق لإدارة إيمانويل ماكرون قضى بإدارة الظهر للجزائر، والانزلاق نحو تبني مواقف معادية سمحت لأصوات متطرفة وأجندات مشبوهة بمهاجمة دولة سيادية بحجم الجزائر. هذا السقوط في فخ مزايدات اليمين المتطرف الفرنسي لم يكن سوى انتحار سياسي، أفقد الدبلوماسية الفرنسية هيبتها وحرم باريس من حليف إقليمي وازن كان بإمكانه أن يشكل طوق نجاة حقيقي لفرنسا في محنتها. ​مطرقة الطاقة وسندان التخبط الخارجي ​مع اندلاع الأزمات الدولية الكبرى وارتفاع أسعار النفط والغاز، ورفض روسيا تزويد أوروبا بالطاقة بشروطها السابقة، وجد الاقتصاد الفرنسي نفسه أمام حافة الهاوية مع اقتراب فصل الشتاء. ​وبدل الاستفادة من الجوار القريب والخيارات الاستراتيجية المتاحة عبر الشراكة المتوسطية، وجد ماكرون نفسه ضحية لغبائه السياسي، مضطراً لتكبّد تكاليف باهظة في البحث عن بدائل طاقوية بعيدة عبر الهروب نحو دول الخليج، والرضوخ لاحقاً للتبعية الكاملة للزبون الأمريكي بأسعار مرهقة. هذا التخبط كشف عورات السياسة الخارجية الفرنسية وحولها إلى تابع يبحث عن الفتات في سوق الطاقة العالمي. ​اضطرابات الداخل: عندما ينقلب السحر على الساحر ​لم تقتصر تداعيات هذا الفشل على الجبهة الخارجية وحدها، بل امتدت لتفجر الأوضاع في الداخل الفرنسي. فالمظاهرات العارمة، وأعمال العنف، والتصاعد غير المسبوق في الاضطرابات الاجتماعية، ليست سوى انعكاس طبيعي لفقدان الثقة في القيادة السياسية التي انشغلت بالمناكفات الخارجية على حساب استقرار أمن مواطنيها المعيشي والاقتصادي. ​إن الرئيس الذي يتردد في مواجهة أزماته الداخلية بحلول شجاعة، ويفضل استعداء الجيران والأصدقاء، ينتهي به المطاف عارياً أمام غضب الشارع ومطرقة الأزمات الجيوسياسية. وما بين سندان الاضطرابات الاجتماعية ومطرقة العزلة الدبلوماسية، يثبت المشهد الراهن في فرنسا أن غياب الحكمة السياسية لا يدفع ثمنه السياسيون وحدهم، بل تدفعه أجيال بأكملها من استقرار ومستقبل بلد بأكمله.