Journan — Accueil

فخ «السيادة المزيفة»: كيف تدار لعبة ترامب وماسك لإسقاط أوروبا من الداخل

لم يعد التدخل في الشؤون الأوروبية خفياً أو محاطاً بالدبلوماسية التقليدية؛ بل تحول على يد إدارة دونالد ترامب وحليفها الاستراتيجي إيلون ماسك إلى هجوم سافر وممنهج. فمن منصات التواصل الاجتماعي إلى دعم صريح لأحزاب اليمين المتطرف، ومن التخلي الفج عن أوكرانيا إلى إشعال ورقة الهوية والهجرة، يبدو المشهد الأوروبي وكأنه مسرح كبير لعملية «هندسة فوضى» كبرى. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يدرك المواطن الأوروبي السر الحقيقي خلف هذه الهجمات التي يتغنى ظاهرها بـ«حماية أوروبا»، بينما يبطن حقيقتها إسقاطها؟ سيادة على الورق.. وفوضى على الأرض ترتكز استراتيجية اليمين المتطرف الأوروبي، المدعوم أمريكياً، على شعارات جذابة وبراقة مثل «استعادة السيادة الوطنية»، «مكافحة الهجرة غير النظامية»، و«حماية الهوية الثقافية». هذه الشعارات تجد صدى واسعاً لدى قطاعات متضررة من أزمات الغلاء، التضخم، وتآكل الطبقة الوسطى. غير أن النظرة الفاحصة لكواليس هذا الدعم تكشف عن تناقض صارخ؛ فدعم شخصيات مثل مارين لوبان في فرنسا أو حركات اليمين في ألمانيا لا يهدف إطلاقاً إلى منح هذه الدول سيادتها، بل إلى تفكيك الروابط المؤسסية للاتحاد الأوروبي. إن اتحاداً أوروبياً موحداً وقوياً، يمتلك تشريعات قوية تحاسب عمالقة التكنولوجيا وتفرض معايير تجارية صارمة، يشكل عائقاً رئيسياً أمام الطموحات الاقتصادية والجيوسياسية لواشنطن. ومن هنا تصبح الفوضى السياسية والاجتماعية هي الهدف وليست العرض الجانبي. إيلون ماسك والأدوات العابرة للحدود لعب إيلون ماسك دوراً غير مسبوق في إعادة تشكيل المشهد السياسي الأوروبي، محولاً منصات التواصل الاجتماعي إلى أسلحة دقيقة للتدخل في الانتخابات القومية. عبر التحكم في الخوارزميات وتوجيه الخطاب الرقمي، تحول ماسك إلى ما يشبه «الموجّه الأيديولوجي» لليمين المتطرف، مستهدفاً القادة التقليديين ومحاولاً إسقاط الشرعية عن المؤسسات الأوروبية. هذا النمط من الهيمنة الرقمية يعكس شكلاً جديداً من الاستعمار؛ استعمار تُقاد فيه الشوارع الأوروبية وتُشعل نعراتها الهوياتية من وراء شاشات وادي السيفور. الملف الأوكراني: البوابة الملكية للفوضى لم تتوقف استراتيجية الضغط عند حدود التجييش السياسي الداخلي، بل امتدت لتشمل الملف الأوكراني. إن سحب الدعم الأمريكي المفاجئ والاصطفاف العملي بجانب الطموحات الروسية يضعان القارة الأوروبية أمام كابوس أمني حقيقي. الهدف الاستراتيجي هنا مزدوج: إجبار أوروبا على الرضوخ للإملاءات الأمريكية المطلقة، وإغراقها في دوامة من الإنفاق العسكري والأزمات الإنسانية والسياسية التي تعجز معها عن التفرغ لأي دور عالمي مستقل. الوعي الأوروبي: بين مطرقة الغضب وسندان الحقيقة أمام هذا الطوفان الممنهج، ينقسم الشارع والنخب في أوروبا إلى جبهتين: * نخب واعية ومؤسسات تدرك الخطر: تدرك تماماً أن ما يُحاك ليس تحالفاً أيديولوجياً عابراً، بل هو محاولة واضحة لتقويض مشروع الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، وتحويل القارة إلى كيانات هزيلة ومفتتة تدور في فلك الرؤية الأمريكية الأحادية. * شارع غاضب تائه في التفاصيل: بينما ينجرف قطاع واسع من المواطنين خلف الوعود الشعبوية السهلة، متخذاً من صناديق الاقتراع أداة «عقاب» للنخب الحاكمة، دون إدراك للثمن الباهظ الذي ستدفعه دولهم عندما تتحول القارة إلى ساحة صراعات مدمرة. ختاماً إن الهجمات التي تقودها واشنطن وماسك عبر بوابة اليمين المتطرف ليست سوى معركة كبرى لإسقاط النموذج الأوروبي الموحد. والمعضلة الكبرى لم تعد مقتصرة على مدى قدرة الحكومات على صد هذا المد، بل في سرعة استيقاظ المواطن الأوروبي لإدراك الفرق الشاسع بين شعارات «إنقاذ الهوية» وحقيقة «تدمير البيت الأوروبي على من فيه».