تختزن قرية مضرونت، الواقعة في الأوراس، حكاية مكان ارتبطت ذاكرته بتاريخ زاويته وبأسماء رجال ونساء تركوا أثرهم فيه. تعرف بالعربية باسم مدرونة، فيما يرد اسمها في الشاوية بصيغتي مدرونت ومضرونت. وتقول روايات متداولة إن اسمها متصل بندرومة التلمسانية، مع تغيير حرفين للتمييز بين الاسمين. وترجح روايات أخرى أن مؤسسيها قدموا من غرب الجزائر، وأقاموا أولا في حيدوس، ثم اختاروا موقع مضرونت بعد معاينته ومقارنته بأماكن أخرى. ومن هناك أطلقوا حركة إصلاح اجتماعي انضم إليها سكان قرى مجاورة.
تقع القرية في مكان مرتفع وناء، ولا تظهر للناظر إلا بعد الاقتراب منها. والطريق المؤدية إليها شاقة، رغم ما عرفته من إصلاحات؛ فقد اضطر زوارها، بعد تعذر مواصلة الرحلة بالسيارة، إلى قطع الجزء الأخير سيرا على الأقدام وسط التعب والحجارة البارزة والحفر وأكوام التراب. وبقيت آثار مناظرها الطبيعية جاذبة للأنظار، رغم ما تعرضت له من هجرة قسرية وهدم وتخريب طال المباني والبساتين. وكان الوادي الذي يشطرها يروي جناناتها المثمرة، حتى عرفت في ماضيها الجميل باسم الشام الصغرى.
وتعد حيدوس، الشقيقة الكبرى لمضرونت، من أقدم قرى جنوب غرب الأوراس. وينسب تأسيسها إلى الشيخ سيدي الهاشمي من عائلة آل دردور، التي تمتعت بمكانة بارزة على مدى قرون. وتذكر الرواية أن موارد القرية وظروف العيش فيها مكّنت سكانها من تأمين حاجاتهم، حتى في سنوات القحط والجفاف. ومنها انطلق الشيخ في تأسيس قرى وزوايا أخرى، وصولا إلى نارة، حيث توفي سنة 1899. ونقل جثمانه بعد ذلك ليدفن في مضرونت.
عرف سيدي الهاشمي في شبابه حب الترحال؛ فقصد مكة مشيا على الأقدام، وأقام مدة في مصر لدى عودته، وتلقى العلم عن علمائها وعن شيوخ الطريقة السنوسية. واهتم بتوجيه مريديه إلى العمل والإنتاج، سواء عبر الحرف أو التجارة، وكان يعين بعضهم بقروض عند بدء مشاريعهم. وبعد أن أخذ الإذن من الشيخ الثائر سيدي عبد الحفيظ الخنقي، أسس زاويته الرحمانية، وأدخل عليها بعض مبادئ الطريقة السنوسية. واستقطبت الزاوية أتباعا من مناطق شتى، فوضعتها السلطات الفرنسية تحت المراقبة.
ساند سيدي الهاشمي سيدي عبد الحفيظ الخنقي حين انتفض، فيما تعرض الأخير للاعتقال والنفي إلى جزيرة كورسيكا لأكثر من عشر سنوات. وبعد الإفراج عنه، استأنف نشاطه المناهض لفرنسا والتحريض على الثورة، ثم سجن في تازولت ولم يخرج إلا بعد دفع كفالة مالية كبيرة.
إلى جانب ذلك، اضطلعت زاوية مضرونت بإطعام المحتاجين وإيواء الفقراء والأرامل والأيتام والمطلقات وعابري السبيل، كما اهتمت بتحفيظ القرآن والتطبيب التقليدي. وبعد وفاة الشيخ علي دردور سنة 1935، تولى شؤونها نسيبه سيدي عمار، ثم زوجته السيدة لالة عزيزة. وقبيل وفاتها، نحو سنة 1958، عهدت بالمسؤولية إلى سيدي البشير، والد الدكتور عبد الباسط دردور، وأوصته بإبقاء أبواب الزاوية مفتوحة. وقبل المهمة رغم تردده، واستمر في خدمة روادها، ثم غادرها اضطرارا عندما اشتدت الظروف في تسعينيات القرن الماضي، تاركا أبوابها مفتوحة امتثالا لوصية لالة عزيزة.
تخرج في الزاوية رجال عُرفت أسماؤهم محليا ووطنيا ودوليا، من بينهم الشيخ عمر دردور، الملقب بابن باديس الأوراس، وصاحب فكرة التعليم الديني والمعاهد الإسلامية. كما برز الشيخ المربي المجاهد محمد الهاشمي دردور لدوره في التحضير لثورة التحرير، إذ نشر الوعي وجند أشخاصا وثق بهم قبل اندلاعها بسنوات. وكان قد اتفق على التنسيق بشأنها مع المجاهد الحاج لخضر عبيدي حين التقيا في الأراضي المقدسة.
وخلال الثورة، استقبلت الزاوية المجاهدين وقدمت لهم الدعم والراحة. وغيّر محمد الهاشمي دردور المسالك المؤدية إليها، مخصصا للمجاهدين ممرات تساعد على حمايتهم. وحين حاولت الإدارة الفرنسية استمالته، ظل يتعامل معها بحذر، ورفض اقتراحها تعبيد الطريق المؤدية إلى الزاوية، مدركا الغرض الذي تخفيه. وفي سنة 1956، وبعد وشاية، اعتقلته القوات الفرنسية ودمرت مركز إيواء المجاهدين القائم وسط مباني الزاوية، وتعرض لتعذيب نفسي وجسدي.